الرقيق القيرواني

108

تاريخ افريقية والمغرب

تريد ، وإن شئت أعلمتك به » قال : « فخبرني » قال : « نكون على عدة ثم نلقى القوم كأنّا نسألهم عمّا جاءوا إليه حتى إذا غشيناهم صببنا عيلهم ، فإن أرادوا قتالنا كنّا قد شغلناهم عن كثير من ذلك ، وإن لم يقاتلوا أخذنا عبد اللّه والقواد الذين معه فصاروا رهائن بأيدينا ، فكنا المخيّرين على الفضل ، فإمّا أجاب إلى ما نحبّ وإما أخرجناه ومن معه وقاتلناهم إن أبوا الخروج فقال له منصور : « واللّه ما أخطأت ما أردت » فأجمع رأيهم على ذلك ، فأقبل عبد اللّه بن محمد حتى التقوا بالزيتون ، فلمّا قربوا منه حملوا عليه وعلى أصحابه ، فقتلوه عبد اللّه وأخذوا القوّاد أسارى ، فلمّا رجعوا إلى ابن الجارود ، فأخبروه بما صنعوا فقال لهم : « ما لهذا بعثتكم ، فأمّا إذ وقع فما رأيكم ؟ » فأشار بعض أصحابه بما عنده من الرأي ، وقال : « إنّه لم تسأل الفضل واليا ، وأنت تريد قتله قبل أن تعرف رأيه وأنت غائب عن قتل عبد اللّه ، فأقم وكاتبه ، فإنه يحثّه على موادعتك طلب العافيّة . . . الولاية » ، فضحك محمد بن الفارسي فقال له عبدويه : « لم ضحكت ، كأنك لم ترض رأيه ؟ » ، قال : « أما هو فقد أجهد لك نفسه في الرأي » قال : « فما ترى أنت ؟ » قال : « إذا واللّه أعطيتك الوجه الذي إن ارتكبته ظفرت وإن تركته نكبت » قال : « وما هو ؟ » قال : « اعلم أن الفضل لن يسلم لك صدره أبدا بعد إخراج ابن أخيه وقتل ابن عمه ، وليس اعتذارك للفضل أنك غبت عن قتل ابن عمّه بالذي يقيم لك العذر عنده ، ولا راحة لك في سلمه ، وقد قيل في أمثال كليلة ودمنة : إن الضرس المأكول الفاسد لا راحة لصاحبه دون قلعه ، وكذلك نحن وآل المهّلب ، لا راحة لنا فيهم إلّا بقتلهم أو إخراجهم بالمكائد والحيل » ، فقال له عبدويه : « فتولّ أنت تدبير الرأي ومكالمة الناس ، واكفنى ذلك وأنا أكفيك تدبير الحرب - إن شاء الله - » فجعل محمد بن الفارسي يكتب إلى كل رجل من وجوه القوّاد يوهمه أنهم يؤمّرونه عليهم وكان في كتبه : « أما بعد » فإنا نظرنا إلى ما صنع الفضل في ثغر أمير المؤمنين في تهاونه بجنده ، واستئثاره عليهم بما لم تكن الولاة تصنعه قبله مع وعورة لفظه لهم وتركه لكتاب أمير المؤمنين في أرزاقهم وسوء سيرته فيهم ، فيما عهد إليه ، ولم ينفعنا إلّا الخروج عليه لنخرجه عنا ، ونظرنا فلم نجد أحدا هو أولى بنصيحة أمير